الأمير عبد القادر الجزائري

اسم الشخصية : عبد القادر الجزائري
المهنة او المجال : أمير
البلد / الميلاد : الجزائر
حياته في سطور :
من كتاب ( و ما بدلوا تبديلا , تفاصيل دقيقة عن جهاد الأمير عبد القادر الجزائري و دولته و هجرته ) للأميرة بديعة الحسني الجزائري , و هي حفيدة البنت الكبرى للأمير , الأميرة زينب التي تزوجت من ابن عمها السيد محيي الدين الحسني , ننقل الفصل الواحد و الخمسين و أرجو أن تسامحني المؤلفة عن النقل بدون إذنها , و إن كنت أظن أن ذلك عمل طيب يحرض على انتشار كتابها القيم أكثر , فنبدأ بعون الله :
على الرغم من المسؤوليات الجسام التي أنيطت بالأمير عبد القادر منذ 1832م في الجزائر , كان يتابع باهتمام الأحداث التي كان يمر بها العالم الإسلامي , و بة خاصة البلاد الشامية و شبه الجزيرة العربية . و عندما استقر في دمشق عاش تلك الهموم التي استفحل أمرها بعد 1840م . فأخذ يتقصى أسبابها الدفينة , و أدرك بما يملكه من وضوح الرؤية , أن العالم الغربي بعد نهضته الصناعية كان يحتاج أسواقا لمنتجاته و خامات لمصانعه . فأخذ يخطط لاستعمار هذه البلاد بحملات و مؤامرات عديدة , مستعينا بخلق الفتن الطائفية العديدة و تغذيتها و إلهاب نارها غير مكترث بالضحايا البريئة التي تذهب طعاما لها , ما دامت تخدم أغراضه و سياسته الاستعمارية و أطماعه الاقتصادية .
و هنا لابد لي من الإشارة إلى أن الأمير عبد القادر كان يحترم الخلافة , و أن احترامه لها كان من منطلق إسلامي ديني بحت . و كذلك كان أبناؤه الذين كانوا يعدون الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني رمز الوحدة العربية و الإسلامية , لذلك استمروا على علاقتهم الودية بالسلطان . و وصل أربعة من أبناء الأمير عبد القادر إلى لقب باشا , و شغلوا مراكز مرموقة في عهده . و كان الولاة يحترمون الأمير و يعترفون له بصلاحيات واسعة في إدارة بعض شؤون البلاد الشامية و خاصة ما يتعلق بالمهاجرين . و كان يرى أن تصحيح الواقع و الأخطاء في الحكم يتم بفضل رأي من هم أكثر حكمة من بين العلماء و المفكرين المسلمين , و الأكثر قدرة على اقتراح الحلول المستنبطة من تجارب الماضي من جهة و المعتمدة على نظرة مستقبلية ثاقبة من جهة أخرى . و كان يقول :
الرجل العالم العارف يستطيع استشعار المستقبل من النظر و الرجوع به إلى أحداث الماضي في ضوء التواتر , و حقيقة علم التواتر هي التفكير بمحسوس يمكن وقوعه من خلال هذا العلم . و الإنسان الذي أوتي العلم و المعرفة يستطيع أن يستشعر المستقبل بما يملكه من سعة الرؤية أمامه التي تمكنه من إحساس و شعور و تنبؤ , و هو لدى بعض العلماء الفقهاء على جانب كبير من الدقة .
و يأمر الله تعالى بتوجيه عقل الإنسان نحو الكون للنظر فيه و التفكير باحثا منقبا , ليعود بذخيرة من المعرفة و نتائج عن الأكوان بما فيها , فيعمق مفاهيم جاء بها القرآن و يبصر الناس بالقوانين العلمية و السنن التي خلق الله الكون على أسس منها , و جاء بحضارة جديدة و علوم شتى , منها معرفة صلات الإنسان بالكون و بخالقه , و جعل العقل الحكم و البرهان , و نهى عن التقليد و الظن , و أعطى الإنسان حق اكتساب المعرفة , و حثه على الجهاد في سبيل الوصول إليها , و أمره بالعمل الصالح و تقوى الله لاستثمار تلك الموارد التي خلقها , و سخرها له بالحدود المؤدية إلى سعادته في حياته المؤقتة على هذه الأرض , و في حياته الخالدة بعدها .
قال الله تعالى (( ليس ألبر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون )) البقرة : 2/77 .
ذكر المفسرون أن الله تعالى أراد أن يوضح في هذه الآية لعباده , أن ليس البر أن تصلوا و تتعبدوا فقط من دون أن تعملوا , البر الذي أعنيه هو ما تقومون به من الأعمال الصالحات و ما ثبت في قلوبكم من طاعة لخالق السماوات و الأرض . و وصف القرطبي هذه الآية بقوله : إنها من أمهات الأحكام البينة إذ تضمنت ست عشر قاعدة فقهية .
و جاء في قوله تعالى بيان صريح للمسلمين (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و إياهم و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن )) الأنعام 6/151 .
و لاحظ الأمير أن الضغوط تتزايد على الإمبراطورية العثمانية , و أن التغلغل الأجنبي عبر القناصل و العملاء التجاريين في البلاد الشامية خاصة أصبح مزعجا لأصحاب الحرف و الصناعات المحلية , و أن احتكارات المحلات التجارية من جانب الطوائف غير الإسلامية يزداد باستمرار بمساعدة الوكلاء التجاريين الغربيين و بنفوذهم . كما لاحظ أن البعثات الدبلوماسية تتدخل بشكل غير معلن في هذه المجالات , و أن نفوذها يتصاعد , و أن السلع الأوروبية تغزو الأسواق و تنافس البضائع المحلية بتشجيع من بعض الولاة و بغض النظر من جانب بعضهم الآخر .
و كانت تلك الأمور تؤرق بال الأمير و هو يرى أن شبح الاستعمار و مآربه تقترب ليس فقط على المستوى الشعبي في هذه البلاد , بل إلى دار الخلافة في إستانبول , و إلى مساجدها و إلى رسالة تلك المساجد , و إلى مآذنها و نداءات الله أكبر حي على الصلاة حي على الفلاح , و أن الخطر الداهم يتهدد هذه الأماكن و مكانتها في بنية المجتمع الإسلامي .
فكان الأمير في ندواته العلمية في الجامع الأموي و في دار الحديث النووي و في داره , كان في كل هذه الأماكن يحث الجميع على الحذر من المؤامرات التي تحاك في الظلام . و كان يشير إلى النبع و هو الشريعة الإسلامية , و يذكر قوله تعالى (( و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) البقرة 2/190 .
و كان يبصر الوجهاء و الأعيان بعواقب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد , و بأخطار الصدام المسلح بين الطوائف , و كان يدعوهم إلى عدم الوثوق بوعود الدول الأجنبية لأنه لا عهد لهذه الدول و لا ذمة و لا وفاء .
و كان يؤكد أن الأخطار هي أبعد مما يعانون من مصاعب الحياة و ما هو منظور في تلك الحقبة , لأنها تحيط بالأمة العربية والإسلامية ككل , و أن من الخطأ الاعتقاد من جانب بعضهم أن هناك خلافات بين الدول الأجنبية , و أن هذه الخلافات إذا وجدت فإنها خلافات ظاهرية فقط . أما في الواقع فالأمر غير ذلك . فعندما تؤيد بريطانيا الطائفة الدرزية , و تؤيد فرنسا الموارنة , فليس معنى هذا أن هناك خلافات , بل تسابق نحو هدف واحد هو إضعاف و تدمير هذه البلاد و تفتيتها إلى دويلات ثم اقتسامها بشكل أو بآخر . و الوقوف في وجه هذه المخططات و المحاولات لا يتم بتمهيد الطريق لها , و مساعدتها على تحقيق غاياتها . فالصدام المسلح في تلك الفترة بالذات بين أبناء الشعب الواحد يخدم هذه الأهداف الاستعمارية , و الحل هو التضامن .
و كان ينصح التجار و الحرفيين بتحسين إنتاجهم و تطويره ليواكب البضائع الأجنبية في الجودة , و كان يحثهم على الاكتفاء بالربح القليل كما جاء في الشريعة الإسلامية , و على التقيد بالقوانين الاقتصادية في الإسلام . و كان ينصحهم بألا يفسحوا في المجال للعدو لكي يداهمهم في عقر دارهم , و يهز أركان وجودهم الصناعي و التجاري . و كان يرى أن الوقوف في وجه هذه المصائب لا يكون بالعنف و القوة في تلك الفترة بالذات , بل بالعمل المجدي و التعاون و توسيع المدارك بالعلم و المعرفة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و البغي , و الحفاظ على الدين الإسلامي و التمسك به قولا و عملا , و البعد عن الغرور و التعصب و الغلو و عدم إثارة المشاعر العقائدية بالتحدي و العدوان , لأن ذلك سيصب في جعبة المخطط الاستعماري المعادي للأمة الإسلامية و يساعد في نجاحه .
و نصح الجميع بالتمسك بالأرض , و بالبعد الحضاري لهذه الأرض العربية الإسلامية , و برائحة ثراها عندما يشقه المحراث , و بغرس كل ما يورق و يثمر .
نصحهم بعدم التمادي في زرع الدمار و الخراب و الأحقاد و كل ما يذوي و يضمحل و يحترق و يصبح رمادا , مما يجعل البلاد لقمة سائغة في فم الاستعمار . و كان يتكلم و كأنه يقرأ هذا المخطط في كتاب أسود بين يديه , و ينطوي هذا المخطط على ضرب الإمبراطورية الإسلامية العثمانية من الداخل , و تفتيتها إلى دول تسهل الهيمنة عليها , ثم تحجيم الإمبراطورية العثمانية و بتر جذورها العربية بتغيير أبجديتها و استبدال اللاتينية بها , لتصبح دولة من دون تراث حضاري مقطوعة الجذور تابعة لكل ما هو أجنبي .
و لكن الأمير لاحظ أن الأمر قد خرج من أيدي الأعيان و الوجهاء , لذلك أعد للأمر عدته و تأهب لكل احتمال معاد . فجمع كل قادر على حمل السلاح من المهاجرين الجزائريين , و طلب تدريبهم على إخماد الحرائق , و على عمليات الإنقاذ بالدرجة الأولى , و اشترى لهم السلاح . و عندما تناهى إلى مسامعه ذات صباح أن الجموع تتجه نحو حي القصاع , استدعى فرسانه الأشداء , و خرج هو و أبناؤه كلهم , و قاد بنفسه حملة إخماد الفتنة الطائفية , و وزع المهمات على رجاله , و كان للثواني أهمية قصوى في تلك الساعة .
و عندما وجد أن السلاح الذي اشتراه من البدو و الحوارنة و سلم رجاله إجازات بتوقيعه –
مازالت إحدى هذه الرخص في حوزة الأستاذ هاني المبارك بدمشق – لا يكفي , أخذ مفتاح القلعة من الوالي أحمد باشا الذي كان يقوم بدور حياد سلبي في تلك الفترة من تاريخ البلاد , و استولى فرسان الأمير على أسلحة فردية ساعدتهم على حراسة أبنية السفارات الأجنبية في دمشق و نقل البعثات و الدبلوماسيين إلى دور الأمير في حي العمارة ( زقاق النقيب ) , و أشرف بنفسه على عمليات الإنقاذ و إخماد الحرائق التي بدأت تشتعل في بعض المنازل في حي القصاع . و كان فرسان الأمير الجزائريون يقتحمون النيران لإنقاذ السكان و نقل الأمهات و الأطفال إلى الأديرة في جبل لبنان . و كان الأمير يتجول بين الأحياء غير مبال برصاص القناصة و الطلقات الطائشة و هو على ظهر حصانه يصدر الأوامر حتى بلغ عدد من نقلوا إلى دوره في حي العمارة , خمسة عشر ألفا بين رجل و امرأة . و عندما غصت الدار بهذا العدد الكبير من السكان نقل بعضهم إلى القلعة .
و في اليوم الثالث قامت الجموع بمهاجمة حي العمارة . فخرج إليهم الأمير , و ما إن وقعت عليه الأنظار حتى ألقى الله الرعب في قلوب الجموع المهاجمة , فعادوا من حيث أتوا . و قبض فرسان الأمير على بعض منهم . و كم كانت دهشة الأمير كبيرة عندما اكتشف أن بينهم عددا من المسيحيين اللبنانيين , فسأل شابا كان يتقد حماسة هستيرية ما الذي جاء به إلى هذه المعركة المشينة ؟ فأجاب بعد نقاش معه :
و ما السبيل إلى القضاء على هذه الدولة العثمانية سوى جعل الحكم غير مستقر في البلاد و زعزعة أركانه . إن فرنسا تريد الأخذ بيدنا نحو حضارتها , و ما جنودها في ميناء بيروت سوى رسل لهذه الحضارة .
أمر الأمير عبد القادر بإخلاء سبيل هؤلاء لكي يعودوا إلى من يهبونهم قشور الحضارة و يسلبونهم الكرامة و الحرية . و راعه أن يجد أن البلاد قد أصبحت في محنة حقيقية . و كان عليه معالجة الأمر بما أوتي من شجاعة و حكمة و موهبة في القيادة و الحوار مع أقطاب الحكومات الأوروبية بعد أن تأكد من أن القوات الفرنسية وصلت إلى رياق في طريقها إلى دمشق , فامتطى صهوة جواده خفية و أخذ يقطع الجبال و الوديان لا يهاب وحشة الليل أو وعورة الطريق , و كأن برفقته آلاف الرجال و آلاف البنادق . و عندما وصل إلى قرية
( قب إلياس ) أرسل من يخبر الجنرال بوفور قائد الحملة الفرنسية بوجوب الاجتماع به , و عين له المكان .
و كان مشهدا للقاء جزائري – فرنسي على مستوى سياسي و عسكري . و طلب الأمير من الجنرال أن يخبر حكومته بأن دخول قواتها دمشق , أو قيامها بأي تحركات عدائية يلغي كل تعهد من قبل الأمير للإمبراطور لويس فيليب ( لويس نابليون ) بعدم العودة إلى الجزائر , و أن الأمير سيكون أول المقاومين لأي حملة عسكرية تهاجم البلاد . و كان على الجنرال أن يخبر حكومته التي أعادت حساباتها بعد هذا الإنذار . لأن إلغاء التعهد يعني احتمال عودة الأمير عبد القادر إلى الجزائر و عودة الحرب الضروس إليها .
من المصادر التي ذكرت هذه الحادثة كتاب ( تحفة الزائر …) الذي حضر مؤلفه ذاك الاجتماع إلى جانب والده الأمير عبد القادر كما ذكر . أما الصحافة الفرنسية فلم تذكر شيئا عن الموضوع و أسدلت الحكومة الفرنسية سترا من التعتيم على ذلك الإنذار , كما أحاطته بسرية تامة و عدته من الأسرار العسكرية للإمبراطورية الفرنسية . لذلك ظن بعضهم أن عودة الجنود الفرنسيين إلى سفنهم في ميناء بيروت يعود إلى موقف بريطانيا .
لكن لو كانت هذه المزاعم حقيقية لما تحركت هذه القوات من ميناء بيروت تحت أنظار الحكومة البريطانية و مؤازرتها . لأن من البديهي أن يكون هناك اتفاق و تنسيق القوات الأجنبية المتعددة الجنسيات التي كانت تتهادى جنبا إلى جنب على صفحة المياه في ميناء بيروت . و هل يعقل أن تتحرك قوة فرنسية , و تتخذ قرارات عسكرية بهذا الحجم و أوامر منفردة بضرب دمشق و احتلالها من دون اتفاق مع بقية القوى ؟ و بة خاصة البريطانية ؟ و هل تصل فرنسا بجنودها إلى رياق في طريقها إلى دمشق , و ترسل مبعوثا إلى الأمير تطلب منه أن يخرج من دمشق مع عائلته , و تطلعه على مخططها و هو ضرب دمشق من جبل قاسيون؟ الواقع أن الأمر كان متفقا عليه بين الدولتين و لم يكن رحلة صيد .
تحدث الكونت دو شمبور حفيد الملك لويس الخامس عشر في مذكرات دونها عام 1861م معلقا على انسحاب القوات الفرنسية و تغيير خطتها فجأة فقال :
لقد فقدت فرنسا هيبتها بسبب تصرف حكومتنا غير الوطني من جراء حملتها المضحكة و المحزنة , ثم يصف الحالة العامة في مدينة بيروت في هذا المخطوط الذي هو عبارة عن يوميات كتبها في أثناء رحلة إلى الأراضي المقدسة حسب تعبيره و يعني مدينة القدس بعد انتهاء الفتنة الطائفية بعدة أشهر في تشرين الأول ( أكتوبر ) 1861م . يصف وضع الأهالي الصحي و المالي و حرش الصنوبر الذي أحضرت شجيراته من إيطاليا حسبما سمعه من أحد السكان , و يعود في اليوم العاشر ليذكر ملاحظاته على القوات الدولية التي كانت لا تزال في المياه اللبنانية تتأهب للرحيل بعد ما رحل الجنود الفرنسيون على متن الأسطول الفرنسي . و يصف حالة الجنود و ما كانوا يعانونه من ضجر شديد تحت سماء بيروت و شمسها المحرقة , ثم يقول :
خرجت قبل مغادرتي مدينة بيروت بيوم واحد مع بعض الصحاب على ظهور الخيل لزيارة الحرش , و كنا قبل قد دعينا من قبل العازاريين لزيارة الأديرة , فتابعنا طريقنا إليهم و كانوا لطفاء جدا فقدموا لنا القهوة الإجبارية . و اجتمعنا بالراهبات اللواتي نجون بأنفسهن من دمشق في أثناء الفتنة , كما استمعنا إلى الأطفال الذين كانوا يصفون حالة الرعب الذي انتابهم قبل أن ينقذهم الأمير عبد القادر , و كيف أتى بهم رجاله إلى هذا المكان .
و لم يذكر في مخطوطه سوى هذا الخبر الذي أتى به باختصار شديد عن هذا الموضوع . أما معظم صفحاته فقد ملأها بالرثاء على الموارنة بة خاصة و بالهجوم على الأتراك مستبعدا كلمة ( عثمانيون ) من يومياته .
هذه الفتنة التي كان من المحتمل أن يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء حي القصاع في دمشق في سبيل مخطط استعماري كان هدفه احتلال سورية و لبنان بحجة الدفاع عن المسيحيين و إنقاذهم . و لكن الأمير عبد القادر كان لهؤلاء المستعمرين بالمرصاد , فعمل على إخفاق ذلك المخطط و قضى على المؤامرة التي دبرت بليل . و كان قبل أن يدخل دمشق يتابع باهتمام الأحداث التي يمر بها الوطن العربي و المؤامرات و افتعال الفوضى , فأخذ يفكر و يتقصى أسبابها الدفينة . و كان في ندواته العلمية في الجامع الأموي و في دار الحديث النووي و في داره أحيانا يحذر الجميع و يحثهم على اليقظة إزاء المؤامرات التي تحاك في الظلمة . و كان يبصر الوجهاء و الأعيان بعواقب التفرقة بين أبناء الشعب التي كانت السبب الرئيسي لما وصل إليه حاله و حالة البلاد , و يحذرهم من أخطار الصدام بين الطوائف . و كان يدعوهم إلى عدم الثقة بوعود الدول الأوروبية الاستعمارية التي تستعين بالفتن الطائفية و تغذيها و تلهب أوارها و لا تكترث بالضحايا البريئة التي تذهب وقودا لها ما دامت تخدم أغراضها السياسية و الاقتصادية . و لقد ذكرت في كتابي ( الجذور الخضراء ) ( للأميرة بديعة طبعا ) تفاصيل هذه الفتنة و مصادر توثيقها في الصفحة 164 من الفصل التاسع , و ذكرت ما حصل بعد وصول فؤاد باشا وزير الخارجية إلى دمشق , و كيف وجد أن الأمن مستتب فأعلن الأحكام العرفية و عين لجانا للتحقيق و محاكم عدلية قضت بإعدام أحمد باشا والي دمشق , و طلب من الأمير السماح له بتعيين كتيبة مسلحة من المهاجرين الجزائريين مهمتها الحفاظ على الأمن في دمشق و ضواحيها , وعين قائدا لها
محمد بن فريحة أحد أبناء عم الأمير عبد القادر , و أجرى استعراضا عسكريا تقديرا للأمير على جهوده في وأد الفتنة . و تقدمت تلك الكتيبة الجزائرية بأسلحتها ذلك العرض . و أرسل الخليفة العثماني عبد المجيد الأول , الوسام المجيدي العالي الهمايوني من الرتبة الأولى إلى الأمير عبد القادر مع رسالة تقدير حملها إليه الصدر الأعظم علي باشا ( أظنه عالي باشا ) في السابع من صفر 1277هـ , الموافق لعام 1860م .
و أسقط بيد الدول الأوروبية , فأخذت ترسل إلى الأمير أرفع أوسمتها تباعا و بة خاصة فرنسا و إنجلترا كي لا يفتضح أمرهما عند مسيحيي الشرق . فوصل الأمير من فرنسا وسام الليجيون دونور المرصع من الرتبة الأولى بوساطة وزير خارجيتها مع رسالة تقدير من الإمبراطور . و جاءه من ملك بروسيا ( إحدى الولايات الألمانية اليوم ) غليوم وسام صليب النسر الأحمر من الطبقة الأولى مع رسالة بالتوقيع الملكي في الثامن من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1860م , ثم رسالة بشكل مرسوم موقع من القيصر إسكندر الثاني إمبراطور روسيا يقضي بمنح الأمير عبد القادر رتبة أعظم فارس في الإمبراطورية الملوكية , الرتبة المشهورة باسم النسر الأبيض في السادس من كانون الثاني ( يناير ) 1860م إلى جانب وسام هذه الرتبة .
و وصله بهذه المناسبة من ملك إيطاليا أيضا رسالة بخطه مع الوشاح الكبير و وسام موريس و العازر أقدم أوسمة الفرسان بوساطة الكونت دي كاستيلونية و الكادايردي كاستيلونيو من مدينة تورينو في العاشر من أيلول ( سبتمبر ) 1860م و بتوقيع فكتور عمانويل .
و جاءه وسام المخلص الملوكي من ملك اليونان من الرتبة الأولى حمله إلى الأمير وزير البلاط مع رسالة من الملك في 7 أيلول 1860م . و أرسل له جلالة ملك المملكة المتحدة رسالة تقدير مع بندقية مرصعة نقش عليها اسم الملكة فيكتوريا و اسم المرسل إليه الأمير عبد القادر في الرابع و العشرين من آب ( أغسطس ) 1860م . و جاءته من جمعية البر و الإحسان , المعروفة باسم جمعية المصابين في البر و البحر , رسالة تقدير و قرار الجمعية بمنحه عضوية الشرف . و كذلك فعلت الجمعية الفرماسونية ( الماسونية ) في فرنسا متضمنة الكثير من الثناء على شخصيته و لكن ليس فيها أي منحة عضوية شرف أو غيرها .
و ليس للأمير عبد القادر و لا لأحد غيره مهما علا شأنه الحق بفرض أسلوب أو صيغة معينة في كتابة رسائل المجاملة و التقدير له من جمعية أو دولة ما , كما أنه ليس له الحق بالاعتراض على شكل الوسام الذي سيقدم إليه , فالأمير قبل أوسمة من قبل العديد من دول العالم على اختلاف أشكالها , و وضعها في المكان الذي توضع فيه الأوسمة في العادة في مختلف الع و لمرة واحدة فقط . و ما من شيء يحمل إلا لهدف , و هدف الأمير لم يكن التزين أو التفاخر , لأنه كان يحمل وساما واحدا يعتز به , و هو وسام الجهاد . و الدليل على ذلك عدم ظهوره في أي مناسبة بهذه الأوسمة , و انه لم يذهب بها إلى احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1864م و لا غيرها . و كانت غايته من أخذ ة له بها هو تحذير جميع الأطراف من العودة إلى مثل تلك المغامرات الخطيرة .
لقد أراد من إشهارها القول للمستعمرين , إني جعلت خططكم هباء منثورا , و ما أرسلتموه من تقدير لعملي هو ميثاق منكم بعدم العودة للتفريط في حق الإنسانية .
و أراد القول للذين أسرفوا على أنفسهم : حذار أن تثقوا بالمستعمرين ! فلقد غرروا بكم و دفعوكم إلى عمل طائش طالما حذرتكم منه . انظروا , لقد تبرؤوا منكم و قدموا الأوسمة صاغرين لمن وقف ضد طموحاتهم . هذا ما كنت أسمعه من جدتي زينب كبرى كريماته عندما كانت تنظر إلى ته هذه و تقول :
كم كان أبي حزينا عندما وضعنا له هذه الأوسمة لأخذ ة فوتوغرافية له , و قد وضعت مرة واحدة و لغاية واحدة كما أسلفت . و هذه هي قصة الأوسمة .

و قصة الدول الغربية مع الدولة العثمانية ذات شجون , لكنها تحولت إلى إعصار جبار اقتلع هذه الدولة من الجذور . و لم تكن الغاية مساعدة العرب على بعث نهضتهم , بل تدمير هذه النهضة التي لم تتوقف بل ظلت مزدهرة ثقافيا و علميا تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية في المغرب و المشرق , و لكنها أصيبت بالتخلف بعد أن سيطر الاستعمار على مقدرات البلاد العربية و الإسلامية على حد سواء .

لقد كانت حياة الأمير عبد القادر مجموعة من المآثر الخالدات . و أصبح بعد أن قضى على الفتنة الطائفية في سورية محط أنظار العالم , و أمل دعاة استقلال العرب عن الدولة العثمانية التي تتالت هزائمها أمام روسيا . فاجتمعت الطليعة في البلاد الشامية و بحثوا مصير سورية , و عقدوا المؤتمرات السرية في دمشق سنة 1877م ( بداية عهد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1876م ) و اقترحوا فصل البلاد عن الدولة العثمانية , ( أي قبل قيام الاتحاد و الترقي و قبل دعاة الطورانية ) , و تنصيب الأمير عبد القادر ملكا عليها , لأنهم وجدوا فيه أملهم الوحيد لما يتمتع به من هيبة و احترام عند العثمانيين و العرب على حد سواء .
و بعد قضائه على الفتنة الطائفية نال أيضا تقدير جميع الدول الأجنبية و احترامها , و هو الذي سبق له أن أنشأ دولة و قاد أمة , و هو بالإضافة إلى ذلك العالم ذو المقام العالي و المجاهد ذو النسب الشريف .
و عندما عرض على الأمير هذا الموضوع لم يتحمس له , و لم يرفضه , و لكنه نصح بأن يظل الارتباط الروحي بين البلاد الشامية و الخلافة العثمانية قائما .
و بدأت رسائل الزعماء اللبنانيين تتوارد على الأمير مبايعة , و منها رسالة من الزعيم اللبناني يوسف كرم الذي كان منفيا في إيطاليا .
أما المشروع الفرنسي الذي كان يرمي إلى إنشاء إمبراطورية عربية تمتد من شمالي بلاد الشام حتى قطاع عكا يرأسها الأمير عبد القادر , فقد رفضه الأمير بشدة في سنة 1860م . (قارن فعله بفعل الخسيس الحجازي ) .
رفض الأمير عبد القادر هذا المشروع لأنه مطلب فرنسي استعماري . و بعد سبع سنوات , عندما ظهر المشروع العربي القومي تردد أيضا في قبوله , لأنه كان يحترم الخلافة العثمانية من منطلق ديني , كان عدم تحمس الأمير لهذا الأمر ناشئا عن احترامه لمبدأ الخلافة الإسلامية . ثم جاء مؤتمر برلين و تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة و أصبح سلطانا فتأخر الحل العربي .( الانفصالي ) .
السلطان عبد الحميد الثاني ( 1293هـ – 1327هـ ) ( 1876م – 1909م ) .
و في أيار سنة 1883م انتقل الأمير إلى رحمته تعالى راضيا مرضيا في قصره بدمر من ضواحي دمشق . و شيعته دمشق عاصمة الأمويين في موكب مهيب , و بدموع و قصائد رثاء سطرت بمداد مضيء , و بكتب و مقالات جاءت لتكون اعترافا بمكانته النضالية و الفقهية و الإنسانية , و تكريما لهذا البطل من الله عز و جل على لسان سكان هذا الكوكب .
(( و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة و لأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون )) النحل 16/41 .
انتهى .