نور الدين محمود بن زنكي

اسم الشخصية : نور الدين محمود بن زنكي
المهنة او المجال : قائد اسلامي
البلد / الميلاد : دمشق
حياته في سطور :يكفينا من هؤلاء رجلان اشتهرا في التاريخ، أولهما هو نور الدين محمود بن زنكي وثانيهما صلاح الدين يوسف بن أيوب.
محمود بن زنكي أيها الأخوة كثير من المسلمين يجهلونه ولا يعرفون قيمته في التاريخ، يقول ابن الأثير رحمه الله في كتابه الكامل في التاريخ (لم يعرف بعد عمر بن عبدالعزيز أمير كان مثل نور الدين محمود بن زنكي في عدله وتقواه وزهده وشجاعته وحسن سيرته في الناس) بعد عمر بن عبدالعزيز لم يظهر مثله، هذا الرجل الذي ورث الملك عن أبيه، ورث حلب والموصل والشام وبلاد الجزيرة وأراد بعد ذلك أن يضم إليها مصر لأن مصر مهمة إذا انضمت إلى هذه القوة يمكنها أن تفعل شيئاً في حرب الصليبيين، كان هذا الرجل مثالاً للإنسان المسلم التقي العادل المجاهد، وكان يلقب بالملك العادل وهو عادل فعلاً، أول شيء كانت علاقته بربه على أعظم ما يكون، تعلم العلم وقرأ القرآن والحديث والفقه على المذهب الحنفي، ولكنه لم يكن متعصباً لمذهبه، كان يكرم العلماء من كل المذاهب وكان إذا دخل عليه الأمراء هابوه ووقفوا بين يديه قائمين حتى يأذن لهم بالجلوس، ولكن إذا دخل عليه عالم أو فقيه أو رجل صالح من أفقر الناس قام له وهش له وأجلسه بين يديه أو بجواره، هكذا كان هذا الرجل، كان من العلماء في نفسه، كان كثير القراءة للقرآن والتلاوة له، كان الكثير القراءة للكتب الدينية، أراد أن يفقه نفسه إلى تفقهه على مشايخ عصره وعلى علماء عصره، كان من قوام الليل، كان يقوم الليل ويتضرع إلى الله تبارك وتعالى في سجوده أن يكتب له النصر ويسأله الشهادة، وإن لم يرزق هذه الشهادة، عاش طول عمره يتمنى الشهادة ولكنه قال يبدو أني لست أهلاً لهذه الشهادة ولهذا لم يرزقني الله إياها، ومن حبه للشهادة وسؤاله إياها ورغبته فيها لقبه الناس المسلمون نورالدين محمود الشهيد وهو لم يستشهد ولكن لتعلقه بالشهادة سماه الناس الشهيد، وقد جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه روى ذلك مسلم في صحيحه، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه، عاش نور الدين محمود وهو رجل خاشع لربه متضرع له خائف منه قائماً لليل،صواماً للنهار وكان يقوم الليل هو وزوجته خاتون، حتى أن امرأته أصبحت مرة فوجدها حزينة آسفة فقال لها ما بالك، قالت غلب علي النوم فلم أقم لليل، فأمر أن تقام طبلخانة (مكان للطبل) تأتي قبل الفجر بنحو ساعة أو بنحو ذلك وتضرب الطبل لمن يريد أن يقوم الليل، هذا ما كان يشغل هذا الرجل ويشغل أهل بيته، كان يقرأ الحديث ويتعلمه على أيدي شيوخ الحديث في زمنه وقد أجيز بعلم الحديث، ففي علم الحديث شيء اسمه الإجازة أن يعطيك عالم الحديث إجازة مثل شهادة بأن من حقك أن تروي الحديث، وفي مرة من المرات روى حديثاً مسلسلاً بالابتسام، ما معنى مسلسل بالابتسام ؟ أي أن راوي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وتبسم، فالصحابي الذي يروي الحديث حينما يروي الحديث يتبسم كما تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، أي يروي الحديث قولاً وفعلاً، والتابعي الذي يروي عن الصحابي يقول كذا وتبسم ثم يتبسم هو كما تبسم الصحابي الذي روى عنه، وتابعي التابعي وكل واحد يروي الحديث يبتسم في نهاية الحديث ولما روى نور الدين محمود هذا الحديث لشيخه لم يتبسم فقال له تبسم يا نور الدين حتى تكتمل الرواية قولاً وفعلاً فقال له كيف لي أن أتبسم وثغر من ثغور المسلمين محاصر، كان الصليبيون يحاصرون دمياط فقال له من أين يأتيني الابتسام لا أجد الابتسام على شفتي وثغر من ثغور المسلمين محاصر، انظروا إلى هذه النفسية التي لا تستطيع أن تتبسم في مثل هذا الموقف، لا يجد ابتسامة، إنه مشغول بهموم هذه الأمة، هذا لون من الناس.
نور الدين محمود شخصية فريدة
كان نور الدين محمود شخصية فريدة، علم نفسه فنون الفروسية، الرماية والقتال والرياضة، وكان يلعب الكرة بالجياد، يركب الجياد ويأخذ الكرة وهي طائرة وأحيانا يلتقطها من الجو وقد لامه بعض العلماء في ذلك كأن هذا نوع من اللعب، فقال له إنما الأعمال بالنيات، نحن قوم مجاهدون ولا نريد أن ننسى الجهاد ولا أن تنسى خيلنا الحركة والمعاناة دائماً فنحن نمرن خيلنا ونمرن أنفسنا حتى لا ننسى، وإنما لكل امرئ ما نوى، كان رجلاً شجاعاً لا يهاب الموت في سبيل الله وكان رجلاً عادلاً، كان يعدل بين الناس، بين الصغير والكبير، أقام مجلساً للعدل وللنظر في المظالم، فتح بابه للناس جميعاً، كل من عنده مظلمة عليه أن يتقدم إلى الأمير أو الملك العادل نورالدين، يجلس مرتين في الأسبوع وقيل أربع وقيل خمس مرات في الأسبوع ليتلقى مظالم الناس على أي واحد من قواده أو أمرائه أو ولاته وقد رأى أن بعضهم لم يصل إليه مظلمة من قبله وهو أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين، لم يتقدم أحد يقول أنه ظلمه وذلك أن أسد الدين قال للناس من كان له مظلمة فليأتي إلي ولا يفضحني عند نورالدين لأرفع المظلمة عنه، فلما سأل لماذا لم يتقدم أحد ضد أسد الدين قالوا له أنه قال للناس كذا، فمن كان له مظلمة ذهب إلى أسد الدين فرفع عنه مظلمته، فسجد لله شكراً وقال الحمد لله الذي وفق ولاتي إلى هذا، كان رجلاً حريصاً على إقامة العدل وكان يراقب الله في كل صغيرة وكبيرة وينفذ شرعه ويقول نحن خدم محمد صلى الله عليه وسلم وخدم شرعه، واقترح عليه بعض ولاته أو وزرائه أن يزيد في العقوبة عن الحد الشرعي وقالوا له أن هناك بعض العتاة من المجرمين لا تكفيهم الحدود الشرعية فلابد أن نؤدبهم بأكثر مما جاء في الحدود حتى يرتدعوا، فكتب إليه يقول (سبحان الله كيف تقترح علي مثل هذا كأنك تقول أنني أعلم من الله عز وجل وأن ما نقترحه من عند أنفسنا أعدل من شرع الله عز وجل والله لا أفعل ذلك ولا أتعدى حدود الله أبدا)، وبهذا رأى الرجل أن أي افتئات على الشرع بالزيادة أو النقصان إنما كأنما يفضل الإنسان عقله على علم الله تبارك وتعالى، هذا الرجل العظيم قال له بعض العلماء مثل الشيخ قطب الدين في يوم من الأيام : يا أمير المؤمنين لا تخاطر بنفسك، وقد كان يدخل في الجيش ويحارب ولا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، فقال له : لا تخاطر بنفسك فإنك إن قتلت فسد الحال وضاع المسلمون وضاع الدين إلى آخر ما قال، فقال له اسكت يا قطب الدين، لا تقل هذا الكلام، هذه إساءة أدب مع الله عز وجل، من كان يحرص الدين ومن كان يحمي المسلمين قبل محمود بن زنكي ؟ إن الله عز وجل هو حامي الدين وهو المدافع عن المؤمنين فلو مت أو قتلت لبعث الله من يحمي هذا الدين ويدافع عنه ممن لا نعلم عنه . انظروا إلى هذه الحساسية من هذا الرجل، يقول أنت تسيء الأدب إذا قلت أنك إذا هلكت أو قتلت ضاعت الأمة وضاع الدين، لست أنا الذي أحمي الدين ولست أنا الذي أحمي الأمة، الله هو الحامي وهو المدافع عن الدين وعن الأمة، وكان الخطباء يدعون له في المنابر بألقاب ضخمة (اللهم انصر عبدك نورالدين بن محمود بن زنكي، معز الدين وناصر الدولة ومجد الأمة وكذا وكذا ) فأمر بحذف هذا كله وقال قولوا (اللهم انصر عبدك ابن عبدك محمود بن زنكي وأصلح حاله ولا تزيدوا على ذلك) وبعض العلماء اقترح عليه قالوا هل هناك مانع أن نقول (اللهم انصر عبد الخاضع لهيبتك الراجي لرحمتك المرابط في سبيلك المقاوم لأعداء دينك .. ومثل هذا الكلام) فقال إذا لم يكن فيه كذب فلا باس أما المدائح الكاذبة والمبالغات الزائفة فلا تجوز على المنبر أبداً، هكذا كان هذا الرجل العظيم، هذا الرجل قاوم الصليبيين وأسرهم، أسر منهم من أسر وقتل منهم من قتل، وأسر بعض الملوك يوماً، ثم فاوضه هذا الملك أن يدفع له مبلغاً كبيراً من المال ويفديه وشاور العلماء والوزراء والأمراء من حوله، فبعضهم قال له اقتله وأرح المسلمين من شره، وبعضهم قال له نأخذ المال نتقوى به في الجهاد في سبيل الله، ثم ترجح له أن يقبل الفداء منه ويأخذ المال ليتقوى به في الجهاد وبعد أن أخذ كأنه لام نفسه،فلما ذهب هذا الملك إلى بلاده أدركه الموت وأخذه الله وجاء الخبر إلى نور الدين فقال الحمد لله، كفانا الله شره وأخذنا منه الفدية لمصلحة الجهاد ومصلحة المسلمين.
رفع المظالم ونفذ شرع الله
كان هذا الرجل يعمل باستمرار على تنفيذ شرع الله وعلى رفع الظلم عن الناس، هذا الفداء الذي أخذه من هذا الملك بنى به (بيماريستان) مستشفى خيرياً كبيراً ومعروف في التاريخ (بيماريستان نورالدين محمود) في دمشق، لم يبن مثله قبله ولا بعده، مستشفى للفقراء والمستضعفين من الناس، يدخل الإنسان فيه يعالج مجاناً ويبقى فيه إلى أن يشفى ويخرج ويهيأ له المأكل والمشرب والدواء وكل الرعاية المطلوبة ولا يدخلها الأغنياء إلا بأجر إلا إذا كان الدواء الذي يحتاج إليه الأغنياء لا يوجد إلا في هذه المستشفى فيسمح لهم بالتداوي به، هذا ما فعله هذا الرجل.

حينما أخذ الغنائم رفع المكوس عن المسلمين، الضرائب التي كانت تؤخذ من الناس، وكان الناس يشكون منها، فرفع عنهم هذه المكوس الجائرة والمبالغة وأعفى الناس منها فدعا الناس له في المشارق والمغارب وقال للعلماء قال لهم : أحلوني من الناس، اطلبوا من الناس أن يحلوني وأن يعفوني مما حدث ومما أخذت منهم قبل ذلك وقولوا لهم أن ما أخذناه منهم والله لم ننفقه إلا في الجهاد في سبيل الله وفي الدفاع عنهم وعن بلادهم وعن أولادهم ونسائهم، فكان العلماء يطلبون ذلك من الناس، يريد الرجل أن يلقى الله وليس في عنقه مظلمة لأحد، وقد طلب من العلماء أن يفتوه بما يحل له من بيت المال، فقالوا له يحل لك كذا وكذا، فكان أحياناً يأخذ هذا القدر فلا يكفيه فيقولون له زد، فيقول والله لا أزيد عما أفتاني به العلماء درهماً ولا ديناراً ويحاول أن يكفي نفسه بهذا القدر القليل ولذلك قالوا كان أقل الفقراء من الناس أعلى منه نفقة، يكتفي بالقليل متقشفاً زاهداً في الدنيا وخزائنها بين الدنيا، وكان له دكاكين اشتراها في حمص من ما يخصه من الغنائم فكان يأخذ منها وكانت تأتي بدخل قليل وطلبته زوجه مرة أن نفقتها قليلة فليزد معاشها أو راتبها أو ما تأخذ، فقال لها : من أين ؟ أتريدين أن أعطيك من بيت مال المسلمين ما لا يحل لك ؟، ثم قال لها أعطيك ثلاث دكاكين تأخذين من غلتها في حمص وهذه الثلاثة دكاكين كانت تأتي في العام بعشرين ديناراً، يعني شيء قليل جداً، فعاش الرجل وعاش أهله في هذا الزهد.
رجل خاف الله فأخاف الله منه كل شيء
مثل هؤلاء هم الذين تنتصر بهم الأمم، هم الذين تنتصر بهم الرسالات، هم الذين تتحقق بهم الغايات، هم الذين ينهزم بهم الأعداء ولذلك كان ذكر نورالدين محمود أمام أعداءه يرعبهم ويقلقهم ويزعجهم ويخافون من ملاقاته إذا لاقوه، لأنه رجل خاف الله فأخاف الله منه كل شيء، كان هذا نور الدين محمود بن زنكي،الذي عاش طول عمره لله وللجهاد في سبيله وللقاء أعداءه ولهذه المعركة التي كرس لها حياته ونذر لها نفسه ونذر لها كل قوته وقوة دولته، هذا هو نور الدين محمود بن زنكي، وهو رجل ينبغي أن ندرس سيرته، ما ذكرته أيها الأخوة ملامح من سيرته مقتطفات
ما صنعه في الحياة الإسلامية
أما سيرة الرجل وما صنعه في الحياة الإسلامية، لقد بنى المدارس التي تعلم الناس، المدارس النورية في كل مكان وخصوصاً في بلاد الشام، مدارس الحديث، أول من بنى مدرسة للحديث هو نور الدين محمود، بنى هذا لأنه لا يمكن أن تقيم الجهاد إلا إذا أصلحت الجبهة الداخلية، إلا إذا أعددت الشعب بالتعليم، هو كان من ناحية يعد الناس للجهاد وينفخ في الشعب من روح الإيمان وينشر العلم والثقافة وينشر العدل بين الناس حتى يكون الناس معك، حتى يقول الناس اللهم انصر فلاناً.
إن كثيراً من حكامنا اليوم يتردد الناس إذا دخلوا معركة أيدعون الله أن ينصرهم أم يدعون الله أن يأخذهم ويريح العباد والبلاد منهم، تتردد ألسنتهم بين الخوف منهم والخوف على بلادهم، أما هذا نورالدين محمود فكان الناس يتمنون أن ينصره الله لأنه إذا انتصر انتصر معه الحق والعدل والخير (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).